الثعلبي
209
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
فو اللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنأتي على بقيتهم . قال : فإني واللّه أنهاك عن ذلك فقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا . قال : وما قلت ؟ قال : قلت : كادت تهدّ من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معاذيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة * لمّا سمعوا برئيس غير مخذول فقلت : وي لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل السير ضاحية * ولكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وحش قنابله * وليس يوصف ما أثبت بالقيل قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، ومرّ به ركب من عبد القيس فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة نريد الميرة . قال : فهل أنتم مبلّغون محمدا عني برسالة أرسلكم بها وأحمّل لكم إبلكم هذه زبيبا بسوق عكاظ إذا وافيتمونا ؟ قالوا : نعم ، قال : فإذا جئتموه فأخبروه إنا قد أجمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم . وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومرّ الركب برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان . فقال رسول اللّه وأصحابه : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، ثم انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي غرة الجمحي ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد وعكرمة : نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى ، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف : يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذلك بيننا وبينك إن شاء اللّه » [ 191 ] فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران ، ثم ألقى اللّه عزّ وجلّ الرعب في قلبه قبل الرجوع ، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان : يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى ، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلّا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها ، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا ، فيزيدهم ذلك جرأة ، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحبّ إليّ من أن يكون من قبلي ، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنّا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها .